
خرجت من غرفتها مسرعة وكأنها تذكرت أمرا رائعا لا يمكن نسيانه أبدا في تاريخ حياتهما ، هذا الأمر أطبق على قلب منى فجعلها تجري مسرعة لرفيقة دربها سارة وهى تضحك بملء فيها .. كانت سارة تقف أمام النافذة وقد أخذ بلبها منظر المطر وهو ينزل برذاذه الجميل .. ترى اخضرار الشجر وانهمار الماء عليها وقد تغير لونها وكأنها تحيا مرة أخرى ..
منى : تعلمين !!! كنت متأكدة من أني سأراك تقفين أمام النافذة ………..
سارة : وكيف لا أقف أمامها وأنا كلما نزل المطر تذكرت ذلك اليوم الذي أبدل
حياتي وحياتك .. ذلك اليوم الذي حولنا من حطام ليس له قيمة إلى نفوس
تعيش على هم العقيدة ، تتلمس أفئدة الناس وهى تلملم شتاتها بحثا عن
الحرية .. حرية العبادة .. حرية الروح وهى تحلق عاليا في السماء .. حرية
القلب وهو يطرق مخاطبا ربه .. راجيا عفوه .. طالبا رضاه …
نزلت دموع سارة كاللآلئ المتقاطرة على وجنتيها ذات الملمس الناعم .. الصافي .. مدت منى يدها .. مسحت دموع صديقتها بلطف .. ثم مسحت دموعها المتحدرة من عينيها متأثرة بكلمات سارة .. وأسرعت قائلة ..
منى : أتدرين يا سارة ماذا يخطر ببالي الآن … ذلك المكان … المكان ذاته الذي
ولدنا فيه من جديد … أريد أن ننزل أنا وأنت ونمشي في المطر نداعب
قطراته ونلتحف بلحافنا الذي التحفنا به ذلك اليوم .. لو تذكرين ..
سارة : ومن ينسى يا منى ؟ من ينسى ؟
أسرعت منى للدولاب فتحته .. أخرجت لحافها الأصفر منه ..
سارة : وتحتفظين به يا منى إلى اليوم ؟
منى : لو رميت كل قديم أملكه .. لن أرمي هذا اللحاف أبدا .. فهو أول غطاء
اشتريه للجامعة .. وأول غطاء كانت له قصة معي من أروع القصص .. هل تذكرين أسماء حين رمته علينا من النافذة ؟؟ لقد عاش معنا " قصة الهداية "
سارة : كم كبرت بنا السنون والأيام يا منى ؟ لقد كبرت عقولنا حتى أنني أشعر أني
شخت مع الأيام ….
منى : ما زال وجهك كوردة الجوري المتفتحة والمثقلة من قطرات ماء المطر
الجميل .. هيا لا تؤخرينا عن الخروج .. لا أريد أن أضيع فرصة رائعة كهذه
الفرصة .. لنتذكر كيف بدأنا وكيف غيرنا ماء المطر ..
سارة : هيا يا منى .. هيا بنا ..
نزلت الصديقتان من سكن الطالبات .. أخذن غطاءهن معهن .. أخذ ماء المطر يتصبب بقوة ويزداد .. وأخذت كل منهما تذكر أختها بالدعاء في هذا الوقت المبارك .. وقت المساء .. يوم مبارك ( يوم الجمعة ) ووقت نزول المطر .. كانت نسمات بركة هذا الوقت تهب وتختلط بها قطرات المطر.. بروعتها ..وكل منهما تفتح فمها وكأنها تريد شرب ماء المطر .. أخذت المياة تتصبب على منى وسارة وأخذن في الإسراع إلى الوصول للمكان الذي ابتدأتا حياتهما منه … وهنا كانت الصاعقة عندما وصلت سارة ومنى لهذا المكان .. مكان هدايتهما .. إضاءة قلبيهما .. ايمانهما المتوقد الجديد .. فوجئت الصديقتان بفتيات يعبرن عن فرحهن بالمطر وانهماره بالموسيقى الصاخبة والرقص والغناء والتصفيق والتصفير ..
وقفت سارة تثنيها خطواتها .. الواحدة تلو الأخرى .. أدركت منى ما يجول في خاطر صديقتها من الألم والحزن فهذا المكان .. كان يوما يدوي فيه ذكر الله تعالى ويسمع منه صوت الدعاء ويتردد صداه عاليا تحف من جلس به الملائكة .. وكانت سارة تقف لتسمع كلام المتحدثة وهى تذكر الحضور بالله عز وجل ونعمه وفضله الذي غمرهم به .. في تلك اللحظات يتواصل المرء مع خالقه .. كيف يصبح مرتع لما يغضب الله عز وجل .. رفعت سارة الغطاء من عليها .. أخذت البنات ينظرن إليها وقد دوى المكان الصمت الرهيب فلم يسمع في تلك اللحظة غير صوت المطر .. دعتها إحداهن للجلوس ومشاركتهن .
المزيد